متلازمة توريت هي اضطراب عرات ذو منشأ عصبي. تبدأ هذه الحالة بشكل خاص في مرحلة الطفولة، وتظهر من خلال حركات وأصوات لا إرادية ومتكررة. يمكن أن تؤثر العرّات في الحياة الاجتماعية للفرد، وفي أدائه المدرسي أو المهني، وكذلك في حياته اليومية. الوصول إلى معلومات صحيحة وعلمية حول هذه المتلازمة يساعد الأفراد وذويهم على إدارة المسار المرضي بشكل أكثر صحة.
متلازمة توريت هي اضطراب نمائي عصبي يتميز بعرات حركية وصوتية متكررة تنشأ بشكل لا إرادي. تُسمى هذه الحركات والأصوات في المصطلح الطبي "عرّات". ولتشخيص المتلازمة يجب ملاحظة وجود عرّات حركية (حركات) وعرّات صوتية (أصوات) معًا لدى الفرد لمدة لا تقل عن عام واحد.
ليست هذه الحالة تخلفًا عقليًا ولا مرضًا نفسيًا بحد ذاته. فالأشخاص المتأثرون يتمتعون بمستوى ذكاء طبيعي تمامًا ويمكنهم النجاح في الحياة الاجتماعية والمهنية. كما يُعرف أن الذكور يُصابون بها بمعدل أعلى مقارنة بالإناث.
العَرّات هي العرض الأساسي لهذه المتلازمة. وتنقسم العرّات إلى مجموعتين رئيسيتين:
العرّات الحركية تظهر نتيجة انقباض لا إرادي لمجموعات عضلية محددة في الجسم. وتشمل العرّات الحركية البسيطة ما يلي:
رمش العينين المتكرر
تكشير أو تجهم الوجه
هز الكتفين أو رفعهما (هز الكتف)
هز أو إيماء الرأس
عضّ الشفاه
أما العرّات الحركية المعقدة فتشمل حركات أكثر تنسيقًا وأطول زمنًا؛ مثل القفز، أو المشي بالدوران، أو تقليد حركات الآخرين (الإيكوبراكسي – أي تكرار حركات الآخرين تلقائيًا دون إرادة الشخص).
العرّات الصوتية هي أصوات تخرج لا إراديًا. وتشمل العرّات الصوتية البسيطة ما يلي:
تنحنح أو تنظيف الحلق بالصوت
السعال
إصدار أصوات خشخشة أو حشرجة (حفيف/خرخشة)
شمّ أو سحب الهواء عبر الأنف (شهيق أنفي متكرر)
الصفير
أما العرّات الصوتية المعقدة فتشمل تكرار كلمات بلا معنى، أو تكرار كلمات أو عبارات قالها الآخرون (الإيكولاليا – تكرار الكلمات أو الجمل المسموعة دون إرادة)، وكذلك التلفظ بكلمات بذيئة أو غير لائقة (الكوبرو لاليا – قول تعبيرات غير مناسبة لا يستطيع الشخص التحكم بها). تعد الكوبرو لاليا من الأعراض الأكثر ارتباطًا في أذهان الناس بمتلازمة توريت، إلا أنها لا تظهر إلا في نسبة صغيرة من المرضى.
غالبًا ما تزداد شدة العرّات في فترات التوتر، أو التعب، أو الانفعال، أو أثناء المرض الجسدي؛ بينما قد تقل في الأنشطة التي تتطلب الهدوء والتركيز.
يُعتقد أن هذا الاضطراب ذو أساس جيني وعصبي بيولوجي.
من المعروف أن لهذه المتلازمة نمطًا عائليًا في الانتقال. فالتغيرات الجينية التي يمكن أن تنتقل من الوالد إلى الطفل تؤثر في أنظمة النواقل العصبية في الدماغ.
يعتمد الدماغ في نقل الإشارات بين الخلايا العصبية على مواد كيميائية تُسمى النواقل العصبية. في متلازمة توريت يُعتقد أن هذه العملية الكيميائية في الاتصال العصبي لا تعمل بشكل منتظم.
ويُعتقد أن الناقل العصبي المسمى "الدوبامين" يؤدي دورًا حاسمًا في هذه العملية. فالدوبامين يشارك في تنظيم أوامر الحركة في الدماغ وإدارة الاستجابات العاطفية. وقد يؤدي اختلال هذا التوازن إلى انقباضات عضلية لا إرادية، أي إلى ظهور العرّات.
أظهرت الأبحاث التي أُجريت باستخدام وسائل تصوير الدماغ أن الاتصال بين بعض مناطق الدماغ لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة توريت يختلف عن الطبيعي.
ومن هذه المناطق العقد القاعدية، وهي بنية تُصفّي أوامر الحركة في الدماغ وتعمل على كبح الحركات غير الضرورية. أما المهاد (الثالاموس) فيعد مركز ترحيل ينظم تدفق المعلومات في الدماغ. بينما يقوم القشرة الجبهية (الفص الجبهي) بدور حاسم في ضبط الاندفاعات واتخاذ القرار.
وقد يؤدي الخلل في الاتصال بين هذه البنى الثلاث إلى عجز الدماغ عن كبح الحركات اللاإرادية بشكل كافٍ. ويمكن اعتبار العرّات انعكاسًا لهذا الخلل الآلي.
إضافة إلى الاستعداد الجيني، قد تزيد بعض العوامل البيئية من خطر الإصابة:
تعرض الأم لضغوط نفسية شديدة خلال فترة الحمل
التعرض للتدخين والكحول أثناء الحمل
عدوى المكورات العقدية من المجموعة A: فقد لوحظ في بعض الحالات أن اضطرابات العرّات بدأت أو ازدادت حدتها بعد بعض التهابات الحلق التي تسببها هذه البكتيريا.
تبدأ الأعراض غالبًا بين سن 5 و10 سنوات. وفي مرحلة المراهقة (خصوصًا بين 10 و12 عامًا) قد تبلغ العرّات أشدّها. لدى جزء كبير من الأفراد تخف الأعراض أو قد تختفي تمامًا بعد فترة المراهقة. وتُعد الحالات الشديدة المستمرة في مرحلة البلوغ نادرة نسبيًا. كما يُعرف أن نسبة حدوث المتلازمة أعلى لدى الذكور مقارنة بالإناث.
لا تسلك متلازمة توريت نفس المسار لدى جميع الأشخاص. لدى نسبة مهمة من المرضى تخف العرّات أو تختفي كليًا مع فترة المراهقة. بينما قد تستمر الأعراض لدى البعض في مرحلة البلوغ؛ لكن شدتها غالبًا ما تكون أخف مقارنة بمرحلة الطفولة.
قد تترافق متلازمة توريت مع اضطرابات نمائية عصبية أخرى أو اضطرابات نفسية. ومن هذه الحالات:
اضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة (ADHD)
اضطرابات القلق
صعوبات التعلم
مشكلات النوم
أحيانًا قد تؤثر هذه الاضطرابات المصاحبة في الأداء الوظيفي أكثر من العرّات نفسها، ولذلك يُعد أخذها في الاعتبار عند وضع الخطة العلاجية أمرًا مهمًا.
لا توجد فحوصات دم خاصة أو وسائل تصوير محددة لتشخيص المتلازمة. يتم التشخيص اعتمادًا على التقييم السريري، والقصة العائلية، ومتابعة الأعراض. يقوم طبيب الأعصاب أو طبيب الطب النفسي للأطفال والمراهقين بإجراء هذا التقييم. وتتضمن المعايير التشخيصية ما يلي:
وجود أكثر من عَرّة حركية واحدة
وجود عَرّة صوتية واحدة على الأقل
استمرار الأعراض لمدة لا تقل عن 12 شهرًا
بدء الأعراض قبل سن 18 عامًا
ألا تُفسَّر الأعراض بشكل أفضل بحالة طبية أخرى أو استعمال مواد معينة
لا يوجد حتى الآن علاج يزيل متلازمة توريت بشكل تام. ومع ذلك يمكن، من خلال الأساليب العلاجية المناسبة، تقليل شدة الأعراض وتحسين جودة الحياة اليومية بشكل ملحوظ. يحدد الطبيب المختص الخطة العلاجية وفقًا لشدة الأعراض، والاضطرابات المصاحبة، واحتياجات الفرد الخاصة.
يُخطط العلاج الدوائي في متلازمة توريت من قبل الطبيب المختص تبعًا لشدة الأعراض والحالة السريرية العامة للمريض. ويعتمد اختيار الدواء، والجرعة، ومدة الاستعمال بالكامل على تقييم الطبيب.
التدخل السلوكي الشامل للعرّات (CBIT): يشمل تمارين لزيادة الوعي بالعرّة وتدريبات على الاستجابات البديلة.
العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يمكن أن يكون مفيدًا بشكل خاص عند ترافق المتلازمة مع الوسواس القهري أو اضطرابات القلق.
توعية المعلمين لدعم تكيف الطفل في المدرسة
تثقيف الأسرة
مجموعات الدعم الاجتماعي
تقنيات إدارة التوتر
يمكن للأشخاص المصابين بمتلازمة توريت، مع الدعم المناسب، أن ينجحوا في الحياة المدرسية والعملية. إلا أن العرّات قد تُسبب للفرد مشاعر خجل أو انسحاب أو عزلة، نتيجة لفت الانتباه في المواقف الاجتماعية أو الخوف من سوء الفهم أو التعرض للنبذ.
لذلك يكتسب دعم الأسرة، ووعي المعلمين وزملاء العمل، والحصول على مساعدة نفسية عند الحاجة أهمية كبيرة. إن فهم المحيطين بالفرد لهذه المتلازمة وقبولهم لها بطريقة صحيحة ينعكس بشكل مباشر وإيجابي على جودة حياته اليومية.
إذا لاحظتم على أنفسكم أو على أطفالكم حركات أو أصوات لا إرادية ومتكررة، يُنصح بمراجعة طبيب أعصاب أو طبيب طب نفسي للأطفال والمراهقين. فالتقييم المبكر مهم من أجل التشخيص الصحيح، وتقديم الدعم المناسب، والحفاظ على جودة الحياة.
لدى بعض الأفراد تقل العرّات بشكل واضح أو تختفي تمامًا مع فترة المراهقة. بينما قد تستمر الأعراض لدى آخرين في مرحلة البلوغ. يختلف مسار المتلازمة من شخص لآخر.
لا تُعد متلازمة توريت حالة مهددة للحياة. إلا أن الاضطرابات المصاحبة (مثل الوسواس القهري أو اضطراب نقص الانتباه مع فرط الحركة) قد تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة. ومع الدعم والمتابعة المناسبين يمكن مواصلة حياة يومية طبيعية نسبيًا.
لا، متلازمة توريت ليست مرضًا معديًا. بل تُعد حالة عصبية نمائية.
لا تؤثر متلازمة توريت مباشرة في مستوى الذكاء. لكن الاضطرابات المرافقة مثل نقص الانتباه أو صعوبات التعلم قد تؤثر بشكل غير مباشر في المسار الأكاديمي.
العرّات لا إرادية. قد يتمكن بعض الأفراد من كبح عرّاتهم لفترات قصيرة، إلا أن ذلك يتطلب جهدًا كبيرًا، وقد يؤدي تراكم العرّات إلى ظهورها لاحقًا بشكل أشد. يمكن أن تساعد العلاجات السلوكية في تعلم استراتيجيات إدارة العرّات.