تلوث الهواء ليس مجرد مشكلة بيئية فحسب، بل هو موضوع صحي يمكن أن يؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية. فعند التعرّض في الهواء الطلق لعوادم مكثفة، أو دخان، أو غبار، أو جو ضبابي، قد تظهر لدى بعض الأشخاص في اليوم نفسه أعراض مثل السعال، وإحساس بالحرقان في الحلق، والأزيز، أو ضيق التنفس. ولا تقتصر التأثيرات على ذلك فقط؛ إذ يمكن أن تُحدث عبئًا إضافيًا على الجهاز القلبي الوعائي. ويُعد الأطفال، وكبار السن، والحوامل، والأشخاص المصابون بأمراض في القلب أو الرئتين من الفئات التي يمكن أن تتأثر بتلوث الهواء بشكل أوضح.
يتحدد تأثير تلوث الهواء في الصحة تبعًا لنوع الملوِّث، وشدته، ومدة التعرّض له، والحالة الصحية الحالية للشخص. وترتبط فترات التعرّض القصيرة غالبًا بالتهيج والشكاوى التنفسية. أما التعرض طويل الأمد فيُربط بمخاطر أكثر ثباتًا على صعيد أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وعبء الأمراض القلبية الوعائية، وصحة الرئتين. لذلك فإن إجابة سؤال “كيف يؤثر تلوث الهواء في الصحة؟” تشمل كلًّا من الأعراض الآنية المحسوسة والتأثيرات التراكمية بمرور الوقت.
تدخل الجزيئات والغازات الموجودة في الهواء الملوث إلى المسالك التنفسية، وقد تُسبب في البداية تهيجًا على مستوى الأنف والحلق والقصبة الهوائية. وعندما تصل الجسيمات الأصغر إلى المناطق الأعمق من الرئتين يمكن أن تزداد حساسية المسالك التنفسية. قد يسبب هذا المسار إزعاجًا عابرًا لدى بعض الأشخاص، لكنه قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض لدى من لديهم أمراض رئوية سابقة.
ولا ينبغي حصر تأثيرات تلوث الهواء في الرئتين فقط؛ إذ يمكن أن يؤثر التعرّض على توازن الجسم العام، مُحدثًا عبئًا إضافيًا على جهاز الدوران. لذلك قد يلاحظ بعض الأشخاص في الأيام ذات الهواء الملوث إحساسًا بالضغط في الصدر، أو خفقانًا، أو نقصًا في القدرة على بذل الجهد. ويجب تقييم هذه الشكاوى بعناية خاصة لدى المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية.
تُعد تأثيرات تلوث الهواء على الجهاز التنفسي من أكثر النتائج الصحية ملاحظة. فقد تظهر بعد فترة تعرّض قصيرة شكاوى مثل إحساس بالحرقان في الحلق، إحساس بالدغدغة أو الحكة، السعال، احتقان الأنف، العطاس، والأزيز. ويصف بعض الأشخاص شعورًا بالتعب السريع عند صعود الدرج أو حاجة متزايدة لأخذ أنفاس عميقة.
لدى الأشخاص المصابين بأمراض رئوية قائمة مثل الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD) قد يرتبط تلوث الهواء بتفاقم الأعراض. فقد يُلاحظ زيادة في السعال، أو ازدياد وضوح الأزيز، أو الاستيقاظ ليلًا بسبب شكاوى تنفسية، أو الشعور بضيق في التنفس بشكل أسرع أثناء الأنشطة اليومية. وعند تكرار مثل هذه الشكاوى ينبغي عدم الاكتفاء بالتقييم الذاتي، بل مراجعة الطبيب المختص.
قد يشعر بعض الأشخاص في أيام الهواء الملوث بانقباض في الصدر، أو خفقان، أو تعب، أو انخفاض في مستوى الجهد المعتاد لديهم. ويمكن أن تكون هذه الشكاوى أوضح لدى من لديهم تاريخ سابق لمرض قلبي.
وعند تقييم المخاطر الصحية للتعرّض طويل الأمد، يُؤخذ عبء الأمراض القلبية الوعائية بعين الاعتبار أيضًا. والنقطة المهمة هنا هي عدم ربط أي عرض منفرد بسبب واحد بشكل مباشر.
تُلاحظ الشكاوى المرتبطة بالتعرّض قصير الأمد عادة خلال بضع ساعات أو في اليوم نفسه. ومن هذه الشكاوى: حرقة واحمرار في العينين مع زيادة الدموع، تهيج في الحلق، سعال، سيلان الأنف، أزيز، ضيق النفس، صداع، وإحساس بالتعب. وقد يزيد أداء التمارين الشديدة في الهواء الطلق أو البقاء لفترة طويلة في مناطق ذات ازدحام مروري مرتفع من حدة هذه الأعراض.
وعلى الرغم من أن تهيج العينين والحلق غالبًا ما يكون خفيفًا، فإن شدة الشكاوى تختلف من شخص لآخر. فقد تسبب الظروف الجوية نفسها إزعاجًا بسيطًا لدى أحدهم، بينما تؤدي إلى ضائقة تنفسية واضحة لدى آخر. وترتبط هذه الاختلافات بالعمر، والأمراض الموجودة مسبقًا، ومدة التعرّض.
يرتبط التعرّض للهواء الملوث لفترات طويلة بنتائج صحية لا تقتصر على شكاوى التهيج العابر. ويُدرج تحت هذا العنوان ازدياد عبء الأمراض التنفسية المزمنة، والضغط الإضافي على الجهاز القلبي الوعائي، وتدهور صحة الرئتين بمرور الوقت. ويُعد الارتباط بسرطان الرئة أيضًا من مخاطر التعرّض طويل الأمد.
لكن تقييم هذه العلاقة يتطلب إطارًا واسعًا. إذ يُنظر مجتمِعًا إلى عمر الشخص، وظروف معيشته، والتعرّضات الإضافية مثل دخان التبغ، والأمراض الموجودة لديه، ومدى ومدة تعرّضه للهواء الملوث. لذلك لا يصح استنتاج تأثيرات طويلة الأمد بناءً على عرض واحد فقط وبصورة فردية.
يُعد الأطفال، وكبار السن، والحوامل، والأشخاص المصابون بأمراض في القلب أو الرئتين من الفئات الأكثر حساسية. يتنفس الأطفال بوتيرة أسرع وقد يكونون أكثر حركة في الهواء الطلق. أما لدى كبار السن، فقد تكون الاحتياطيات الوظيفية للرئتين وجهاز الدوران أكثر محدودية، ما يجعل التعرّض نفسه قادرًا على إحداث نتائج أوضح.
قد تؤدي أيام الهواء السيئ إلى تفاقم الأعراض القائمة لدى الأشخاص المصابين بالربو، أو مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، أو قصور القلب، أو اضطرابات النظم، أو مرض الشريان التاجي. وفي فترة الحمل قد تصبح الشكاوى مثل ضيق النفس والتعب أكثر وضوحًا أيضًا.
النهج العام هو التقليل من التعرّض. فقد يكون من المفيد تقصير مدة البقاء في الهواء الطلق في الأيام ذات الجودة المتدنية للهواء، والحد من المشي أو الركض في المناطق ذات الازدحام المروري الشديد، وتأجيل التمارين الشديدة في الهواء الطلق. كما يمكن أن يساعد تعديل الخطط اليومية – ما أمكن – إلى فترات تكون فيها نوعية الهواء أفضل.
يمكن أن يخفف العبء العَرَضي التقليلُ من مصادر الدخان والغبار والروائح النفاذة، وتجنب إبقاء النوافذ مفتوحة لفترات طويلة دون حاجة في الساعات التي يكون فيها الهواء الخارجي ملوثًا بشدة، والابتعاد عن دخان السجائر. هذه التدابير لا تُغني عن التقييم الطبي، بل تشكل جزءًا من نهج الوقاية العام.
بعض العلامات قد تدل على ما هو أكثر من مجرد تهيج بسيط، ويجب تقييمها دون تأخير. ومن هذه العلامات: ضيق نفس واضح أو متزايد، ضائقة تنفسية تجعل الكلام صعبًا، ازدياد سريع في الأزيز، زرقة الشفاه، ألم في الصدر، الإغماء، الدوخة الشديدة، أو تغير الوعي. كما يجب أخذ الخفقان أو التدهور المفاجئ لدى شخص مصاب بمرض قلبي على محمل الجد.
عند وجود ضائقة تنفسية واضحة لدى طفل، أو مسن، أو حامل، أو شخص مصاب بمرض مزمن، لا يُنصح بالانتظار. وعند حدوث تدهور في السعال، أو الأزيز، أو ضيق النفس، أو أعراض الربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD) قد يكون من المناسب طلب تقييم من اختصاصي أمراض الصدر. أما لدى الأطفال الذين يعانون من شكاوى تنفسية متكررة فيمكن مراجعة اختصاصي طب الأطفال، وإذا كانت الشكوى الرئيسة ألمًا في الصدر أو خفقانًا فقد يلزم تقييم من اختصاصي أمراض القلب.